00965-55226399

مجلة «الفرقان»، العدد (130)، تاريخ 29/1/2001م.

الالتزام التعبدي بما أمر الله عز وجل هو الصفة الأولى من صفات الصحابة، فإذا قال الله؛ قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ قالوا كذلك.

عن أنس رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فَجَرَتْ في سكك المدينة.

وعنه أيضاً قال: ما كان لنا خمر غير فضخكم هذا الذي تسمونه ((الفضيخ))، فإن لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل، فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذلك؟ قال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل.

هذه صفة كانت عند الصحابة رضوان الله عليهم وعند التابعين كذلك، فلا يدخلون عقولهم في تأويل أو فلسفة إذا ما سمعوا عن الله ورسوله أمراً، وشعارهم دائماً: ((سمعنا وأطعنا)).

هكذا كان هديهم رضوان الله عليهم، لذلك لم يكن لعلم الكلام أو الفلسفة مكان عندهم، وكلامهم موجز يشبه كلام النبوة، ومن تتبع آثار الصحابة والتابعين ـ رضوان الله عليهم ـ في أقوالهم لا سيما في كتب العقائد القديمة والفقه؛ يرى كلاماً موجزاً خالياً من التعقيد.

والسؤال: لماذا خلا من التعقيد؟

  1. لأنهم تربوا على الكلام الموجز البليغ الخالي من التأويلات، فما سألوا عن قضايا القدر كثيراً، ولا عن قضايا الأسماء والصفات كثيراً، ولا سألوا: لماذا حرم الله هذا وأحل هذا.
  2. لم يتعمقوا في تلك القضايا أو فلسفة الأحكام، ولا احتاجوا إلى أن يوسع لهم في الشرح كما هو حال بني جنسنا في هذا العصر.
  3. علموا بأن الله سبحانه وتعالى بَرٌّ رحيم بهم، لا يريد لهم إلا الخير، وأخذوا هذه الصفة، وأجروها على ظاهرها، فنظروا إلى تشريع الله أنه رحمة لهم، وأنه نعمة، فأخذوا به.

ولكن لما دخلت الفلسفات على المسلمين وتأثروا بالمجوس والوثنيين واليهود والنصارى؛ أصبحوا يتساءلون: لماذا شرع الله هذا ولم يشرع هذا؟ّ! هذا الأمر لم يُسمع عند الصحابة.

والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ قد علموا علماً يقينياً بأن الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب، وأنه يعلم كل شيء، وأنه لو كان هناك شيء في خدمة الدين لأخبرنا به سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ الآية، فالصحابة لم يكثروا المسائل، ولكن أكثرو العمل.

أما واقع المسلمين اليوم؛ فقد كثرت المجلدات والكتب والقضايا، وكثر الوعاظ، وقلَّ العمل، المسلمون اليوم عملهم قليل، وتنظيرهم كثير!ّ! 

وأنت لو جمعت كلام الإمام الشافعي والإمام أحمد مثلاً؛ لوجدته معدوداً موجزاً، ولولا أن أهل البدع خرجوا لما كتب الأئمة ذلك كله، أو قل: من أراد أن يعرف فقه الأولين؛ فليقرأ كتاب ((شرح السنة)) للإمام البغوي رحمه الله؛ فإنه سيتعلم الفقه على الطريقة السلفية الصحيحة الميسرة: آية، حديث، قول لصحابي أو تابعي، والسلام، فليس هناك: ((قالوا كذا، وقلنا كذلك)). وليس هناك تخريجات أو غير ذلك من التفاصيل التي تاه فيها المسلمون اليوم.

هذه السمة كانت ظاهرة عند الصحابة وعند التابعين، والله على ما نقول شهيد.