00965-55226399

حوار أجرته جريدة الأنباء مع الشيخ، وأصله عبارة عن أوراق مطبوعة من ضمن أرشيف الشيخ، ولا يعلم هل نشر أم لا، ولم يظهر فيه تاريخ.

الشيخ عبدالله السبت، من الأسماء المعروفة على ساحة الدعوة الكويتية من خلال مسيرة حافلة على مدى أكثر من (20) عاماً من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى تشهد له الديوانيات والمنتديات. 

خطيب مفوه ومحاضر متمكن حاضر الذهن متفتح القريحة شهد له أعداءه قبل اصدقائه بقوة حجته وقوته في الحق، أسئلة كثيرة جداً حملناها إلى فضيلة الشيخ أبي معاوية الذي تفضل بالإجابة عليها في حديث قيم يصل إلى شغاف القلوب. 

س: كيف تنظرون إلى الساحة الإسلامية بشكل عام؟ وساحة العمل الإسلامي والصحوة الإسلامية بشكل خاص؟ 

بداية أحب أن أشكر الأخوة في جريدة الأنباء على إتاحة هذه الفرصة، والله نسأل سبحانه وتعالى التوفيق والتيسير والقبول، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أما بخصوص السؤال؛ فإنه لا شك بأن هذا القرن يشهد عودة من شباب الأمة، بل ومن كبار السن فيها عودة صادقة عامة نحو الإسلام تجتاح العالم الإسلامي، ورغبة صادقة في التزام دين الله سبحانه وتعالى، وهذه العودة للإسلام هي التي أزعجت أعداء هذه الأمة الذين لا يريدون لها علواً ولا يريدون لها قوة ولا تمكيناً، فتكالبت عليها اليهود والنصارى، ومن وافقهم من الفرق الضالة كالباطنية وغيرهم من أعداء هذه الأمة، وذلك لصد هذه الأمة عن الأخذ بأسباب العزة والتمكين الكامنة في العودة إلى دين الله سبحانه وتعالى، فهذه الظاهرة العامة التي نشاهدها في العالم الإسلامي نحمد الله عليها على أن هيأ هذه القلوب لأن تقبل دين الله سبحانه وتعالى، ولعل هذا مصداق قوله سبحانه وتعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون}، فالله عز وجل مظهر دينه وإن كرهت اليهود والنصارى، وإن كره المشركون، وإن كره العلمانيون، فالله مظهر دينه ومعز أتباع نبيه ﷺ. 

فمن حيث العموم نلاحظ عودةً للإسلام في العالم الإسلامي، ورغبة في تطبيق شريعة الله سبحانه وتعالى، ولكن هناك بعض الملاحظات على هذه الصحوة، وقد حذرنا منها مراراً، أهمها: أنها قد أخذت الإسلام بشكل عشوائي، ولم تنل فرصتها لأخذ الإسلام علماً وعقيدة كما ينبغي، ولذلك كثر التخبط بالأطروحات التي تطرح في عالمنا الإسلامي، وهذا الخلو من الناحية العلمية عند أبناء الصحوة هو الذي جعلهم لقمة سائغة لكل الحركات المتطرفة، ولكل دعاة التخريب باسم الإسلام وباسم الجهاد، حيث إنهم قد وجدوا من هؤلاء الشباب من يعينهم على باطلهم، والسبب جهل هؤلاء الشباب. 

فالصحوة جميلة ويفرح فيها كل محب للدين، ولكننا نرى أنه ينقصها العلم الشرعي الذي به تستطيع أن تنهض به قوية؛ لتقف على أرض صلبة، وهذا بالطبع لا يتأتى إلا بطلب العلم، وباتباع العلماء المهديين الربانيين. 

فلذلك نحن نوصي إخواننا من أبناء الصحوة من الشباب ومن قادة الفكر والرأي في العالم الإسلامي أن يتقوا الله في هؤلاء الشباب، وأن يربطوهم بالعلم الشرعي بكتاب الله عز وجل وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك لنعلم بأن هذا الدين الذي نحن قد قبلناه والتزمناه ورغبنا في أن نكون من أتباعه قائم على العلم وعلى العمل وإن أي عبادة ليست قائمة على السنة فهي بدعة مردودة، لذلك فإنه لكي تنجو الصحوة من المخاطر التي تواجهها لابد لها من الالتفاف حول العلماء والالتفاف حول منهج السلف فإن هذا هو الأسلم. 

س: بالنسبة للعمل الإسلامي في الكويت هل نستطيع أن نقول بأنه قد بلغ مرحلة النضوج؟ 

إن هذا السؤال يحتاج إلى نوع من التبسيط في الإجابة عليه واقول بإيجاز بأن العمل الإسلامي في الكويت يعتبر بفضل الله سبحانه وتعالى النموذج المثالي الذي يحتذى به من نواح متعددة، الأول: إن القائمين على العمل الإسلامي الدعوي والخيري في عامتهم من الشباب المتطوع الذي يرجو الثواب من عند الله سبحانه وتعالى ويحتسب الأجر، ولاشك أن هذا أدعى للإخلاص وأدعى للقبول وأدعى للبركة من الله ـ سبحانه وتعالى. 

الثاني: أن القائمين على العمل من نخبة البلاد ومن خيار الناس، ومن الكفاءات العلمية الدنيوية في تخصصات مختلفة ومن التجار ومن أصحاب المناصب، وهذا يعطي بعداً وخبرة وتجربة واستقراراً أكثر مما لو كان القائمين على هذا العمل من الناس الجدد أو من أصحاب الثقافات البسيطة، ولعل ما يميز العمل الإسلامي في الكويت أيضاً أن هناك حسن علاقة وثقة بين الحاكم ولي الأمر وبين الهيئات والجمعيات التي تقوم على العمل، وهذه الثقة القائمة وحسن العلاقة تعني وضوح في الرؤيا لدى القائمين على العمل، وتعطي العاملين على الساحة الإسلامية نوع من الاطمئنان لأنهم قد نالوا ثقة ولي الأمر وحصلوا على الاستقرار وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه البلاد وجود هذه الثقة بين ولي الأمر وبين القائمين على الدعوة الإسلامية، وأعتقد أنه مهما يجري أو يحصل من بعض الجهلة من أعمال فردية قد تعكر صفو هذه العلاقة الطيبة فإن قوة وحسن هذه العلاقة، والثقة الموجودة ساهمت وستساهم بالقضاء على أي ظاهرة من هذه الظواهر أو الأعمال السلبية التي قد تطرأ على الساحة بين فترى وأخرى، كذلك مما يؤهل العمل الإسلامي في الكويت لمرحلة النضوج هو الاستعداد النفسي عند المواطنين في التبرع وفي عمل الخير، بل حت ى إن التبرع ليس محصوراً فقط في الطبقة الغنية بل إن الطبقة الوسطى يكاد أن يكون فيها غالبية المتبرعين للأعمال الخيرية المختلفة، وهذا لعله كان سبباً من الأسباب التي عصمت البلاد من فتن كثيرة، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، فهذا الإقبال من الناس والاندفاع على فعل الخير يعطي العمل الإسلامي في الكويت هذه الدفعة التي ينطلق منها لأنه ينطلق من قاعدة شعبية عريضة ولا ينطلق من فئة محدودة من الناس، لذا فإنا نستطيع أن نقوم إن العمل الإسلامي في الكويت يعتبر بهذه الموازين وغيرها نموذج يحتذى به في العالم الإسلامي، ونتمنى أن تستفيد الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي من تجربة الدعوة في الكويت، وسيكون في هذا الأمر خيراً كثيراً لها ولتجنبت وجنبت بلادها الكثير من مظاهر التوتر ومن مظاهر الانفعال والعنف الذي نراه ونسمع به في بعض دول العالم الإسلامي، وخلاصة الأمر نستطيع القول إن العمل الإسلامي في الكويت بفضل الله عز وجل يعتبر العمل النموذجي القائم على وضوح الرؤيا وعلى الدقة في التعامل بين مختلفة الأطراف، وقائم كذلك على احتساب الأجر عند الله ـ سبحانه وتعالى. 

س: تجتاح العالم الإسلامي موجهات من التيارات الفكرية المختلفة فكيف يعصم المسلم نفسه منها وكيف يتعامل معها؟ 

الإسلام دين خالد وأنه باق ما بقيت الدينا وهذا الذي أخبر عنه النبي ﷺ وأله وصحبه وسلم بأنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، وبين صلوات الله وسلامه عليه بأنه قد تركنا على الوضوح قال: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها سواء لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، فالإسلام الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى باق بتفاوته وصفائه ووضوحه وبساطته التي كان عليها السلف ـ رضوان الله عليهم ـ والرسول ﷺ أخبر عن أن الأمة ستفترق وستحدث فيها تيارات وأخبر بأن ستأتي في آخر الزمان أمور تعرفون منها وتنكرون وأخبر عن افتراق الأمة بقوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فما سئل عنها صلوات الله وسلامه عليها قال: ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية أخرى الجماعة، وفسرت الجماعة بما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، هذا الخبر القدري الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه واقع وبأنه حاصل نحن أمرنا بأن نقي أنفسنا الشر وأن نلتزم عقيدة السنة، عقيدة الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حتى نسلم من هذا الافتراق فالآن العالم الذي نحن نعيشه عالمنا الإسلامي في خلافات وفيه فرق وفيه مذاهب وفيه الطرق وفيه عقائد بعضها يصل إلى الكفر وبعضها يدور في دائرة الإسلام. 

لا يستطيع الإنسان بالهوى أو بكثرة الأتباع أو ببروز قيادات معينة لتيار معين أن يحكم أن هذا هو الحق وما عداه باطل وإنما الصحيح هو أن تعرف الحق أن تعرف الدين أن تعرف الإسلام أن تعرف المحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي ﷺ لذلك نحن علينا كما قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بجملته المشهورة: «يا حارث اعرف الحق تعرف أهله»، فمعرفة الحق ضرورة ولا يوجد حق إلا ما كان عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كما قال ـ سبحانه وتعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}، فسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولذلك هنا قال تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها سواء، فدل ذلك على أننا ملزمون ومأمورون باتباع طريقة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولا أظن في المسلمين من يعارض حقيقة إن كان مسلماً العودة إلى الأخذ بعقيدة الصحابة ـ رضي الله عنهم وأرضاهم. 

فنقول حتى نعصم أنفسنا من هذه التيارات لابد لنا من أن يكون عندنا معرفة أولاً بأن طريق الهداية هو طريق الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وأننا لن نستطيع أن نصل إلى ذلك إلا بالعلم الشرعي، وأننا لابد لنا من أن نلتزم بما كان عليه السلف ـ رضوان الله عليهم ـ فننجوا ونعصم أنفسنا من الزلل، إذن ليست العصمة من الزلل هو ترك الأمور تجري على أعنتها، وليس العصمة من الزلل أن نتبع من شئنا من الناس، وإنما كان قال الإمام مالك ـ رحمه الله: «إن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم»، إذن فالعاصم من هذه الفتن، وهذه التيارات الموجودة إنما هو باتباع طريقة السلف ـ رضوان الله عليهم ـ وهم الأئمة من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، بين الحاكم والمحكوم»، ومحاضرات كثيرة في هذا، ثم رسالة جامعة للشيخ عبدالسلام البرجس سماها: «معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة»، بين فيها على أنه هذا الفكر الخارجي الذي بدأ ينتشر الآن إنما هو يسعى إلى تدمير مجتمعاتنا وإلى إيجاد الفتن والقلاقل في بلادنا، فيجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن ينتبهوا وأن ينبهوا الناس من خطر هذا الفكر الذي بدأ ينتشر في عالمنا، وخاصة في الجزيرة في أيامنا هذه. 

س: ما هو التصور العملي لديكم لتوحيد العاملين في الساحة من الشباب الإسلامي؟ 

وحدة المسلمين مطلب شرعي، والفرقة شر وعذاب، والاعتصام بحبل الله سبحانه وتعالى واجب، فقد قال سبحانه: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، والحديث المتداول: «اختلاف أمتي رحمة»، هو حديث باطل لا أصل له، وإنما اختلاف الأمة شر وفرقة وضعف وعذاب، وللأسف الشديد أن العاملين للإسلام بينهم خلاف، وهذا واقع، وبينهم شقاق، بل وتناحر أحياناً، وهذا واقع ولا نريد أن نكون مثل النعامة التي تدس رأسها في التراب، بل علاج المشكلة والخلاف يقوم على المصارحة، وقبله يقوم على توحيد المنهج، فإن العلة في الاختلاف الذي هو واقع الآن في عالمنا الإسلامي إنما هو ناتج الاختلاف في المنهج، وفي فهم الإسلام، فالمظاهر التي نراها إنما هي إفرازات للخلاف الأصلي وهو خلاف المنهج، لذلك نحن نقول بأن من يزعم بأن تعدد الجماعات ظاهرة صحية فهذا قول باطل، كما قرره علماء الدعوة السلفية من المعاصرين، وإنما نحن نقول تنوع العمل جيد لكن مع وحدة العقيدة وسلامة المنهج، فهذا الذي ينقص العاملين في الحركة الإسلامية في العالم أنهم ما سعوا إلى توحيد المنهج، وإنما يسعون إلى تحالف قد يكون سياسياً في بعض الأحيان، وقد يكون ضرورة تلجئهم إليه في وقت آخر، ونحن لا نريد للمسلمين أن يكونوا كما قال الله عز وجل للكفار: {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى}، فهذا وصف لأعداء الله سبحانه وتعالى ولأعداء الدين، وهو أنك تراهم في الخارج جماعة واحدة، ولكن الخلاف في قلوبهم، والخلاف في منهجهم، والخلاف في طريقتهم، وإنما نريد لهذه الأمة أن يكونوا كالبنيان المرصوص، وأن يكون المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، وأن نحقق فيما بيننا {إنما المؤمنون أخوة}، فلذلك نحن نقول أن العاملين في الساحة الإسلامية بينهم خلاف وهذا الخلاف لا يحل إلا بتقوى الله ـ سبحانه وتعالى أولاً ـ وثانياً بترك التحزب والتعصب للجماعات والمشايخ، والثالث تحديد أو توحيد المنهج الحق الذي هو منهج الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فما كان بالأمس دين فهو اليوم دين، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ورضي الله عنه. 

وأما التنادي إلى نوع من الإتفاق الظاهري سواء في الوقوف في وجه المد النصراني أو المد العلماني، فهذه اتفاقات نفعية أو وقتية لا تؤتي ثمارها، وإنما قد ترسخ الخلاف وقد ترسخ الفرقة، وهذا الذي لا ينبغي فالمسلمون يجب أن يكونوا أمة واحدة وعلى عقيدة واحدة ومنهج واحد وطريقة واحدة، وهذا الطريق الصحيح، وهذا الذي يدعو إليه السلفيون يدعون جميع أتباع المذاهب والطرق والجماعات إلى ترك ما هم عليه والرجوع إلى عقيدة الصحابة. 

ثم نحن لماذا نكرر عقيدة الصحابة، هذا الأمر مهم جداً، أننا قد تختلف على بقية الأشخاص، ولكننا إن كنا مسلمين فلن نختلف على أن نكون أتباعاً لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ فعقيدة الصحابة تجمعنا، وهي التي من الممكن منها أن ننطلق، فالتصور الذي نطرحه إلى توحيد العاملين في الساحة الإسلامية ليس الترقيع وليس استخدام أسلوب النعامة وليس أيضاً استخدام أسلوب أعداء الله سبحانه وتعالى وهو أن يرانا الرائي من بعيد كتلة واحدة، ولكن كلما خلت طائفة لعنت أختها، فهذا خلق المنافقين، وإنما الصحيح الذي يجب أن يكون بين أهل الإسلام هو التناصح وهو إقامة الحجة والبيان، وهو أيضاً دعوة إلى عودة هذه الأمة إلى منبعها الصحيح كتاب الله عز وجل وسنة النبي ﷺ وهذا هو مصداق قوله ـ ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي»، ثم أوصى بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وقال: «عضوا عليها بالنواجذ»، فإن تمسكنها بهذا سلمنا وسلم من كان معنا، وإلا فالهلاك أعاذنا الله منه. 

س: هل تعتقد أن الاختلافات العامة بين الجمعات الإسلامية خلافات أصلية أم فرعية؟ 

المعلوم أن بعد سقوط الخلافة العثمانية، وتناثر المسلمين ووقوعهم تحت الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الفرنسي، وهيمنة الدول الكافرة على البلاد الإسلامية وتشتيتها وتمزيقها، كل ذلك ولد عند جمهرة من المفكرين السعي إلى إيجاد أنواع من التنظيمات، وسعوا لمحاولة إيجاد اتجاهات إسلامية، ومن ثم مقاومة الفكر التغرييي، أو مقاومة العلمانية، والسعي إلى أن يعود الإسلام من جديد، ومن ثم سعت كثير من التيارات إلى العمل الإسلامي، وكان هاجس تكوين الخلافة أو الحكم الإسلامي هاجس قوي عندهم إلى درجة أن الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ قد دعا الملك فاروق وهو على ما فيه إلى أن يكون خليفة للمسلمين، وتعهد بمبايعته ووافق على أن يرضى بأن يكون خليفة، وهذا يبين لنا حجم المصيبة أو حجم المأساة التي كان يعيشها المسلمون عند سقوط الخلافة العثمانية. 

هذه الجماعات التي قامت في العالم الإسلامي حقيقة كان لها جهداً كبيراً ونشاطاً مميزاً في الدعوة إلى الإسلام وربط الناس بالإسلام، وهذا جهد يشكرون عليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منهم، ولكنها للأسف الشديد التزمت مناهج فكرية مختلفة، أو أن بعضها لم يلتزم بأي منهج ظناً منها بأن هذا هو الذي بإمكانهم أن يجمع المسلمين من حولهم عليه، وبالتالي أصبح يخرج من الجماعة الواحدة تيارات مختلفة، بل متناحرة كما حصل لكثير من الإفرازات التي أفرزتها جماعة الإخوان المسلمين، أو التي أفرزتها جماعة المودودي، أو التي أفرزت من الجماعات الأخرى، هذه التيارات أو هذه الإفرازات التي أفرزت من هذه الجماعات هي أدت في الحقيقة إلى نوع من التصادم فيما بينها البين، وخاصة إذا أخذنا التيارات التكفيرية، وجماعات الجهاد التي كان في منشأ معظمها قد أخذ من أفكار سيد قطب ـ رحمه الله ـ في بعض ما ذهب إليه، هذا التضارب في التصورات الفكرية الموجودة عند الجماعات القائمة في الساحة الإسلامية هو أوجد نوعاً من الصراع، ومن ثم نوعاً من تباين في وجهات النظر، ولذلك فإن الخلافات بين الجماعات القائمة، مثل جماعات التبليغ، وحزب التحرير، وجماعة الإخوان المسلمين بشقيها: الذي يتبع أفكار البنا ـ رحمه الله ـ أو الشق الذي يتبع أفكار سيد قطب ـ رحمه الله ـ وما ترتب عليه م تيارات كثيرة، أو جماعة المودودي، فإننا نلاحظ أن هناك تعارضاً فكرياً بين هذه الجماعات، ولا أ ريد أن أدخل دعوة السلفية في التقسيم لأننا نرى بأن الدعوة السلفية هي الامتداد التاريخي للأمة، وهي التي كانت وستبقى ـ إن شاء الله تعالى ـ المحضن الذي يمكن أن تجتمع فيه الأمة إذا تركت هذه الجماعات التصورات الفكرية التي التزمتها. 

خلاصة القول أن هذه الجماعات القائمة الآن سبب التناحر أو التضارب الذي بينها أن كل منها له تصور معين في الطريقة التي يدعو بها إلى الإسلام، وبالتالي فإنهم تراهم فيما بينهم ـ كما ذكرنا فيما مضى ـ الاختلاف في وجهات النظر، وهو الذي ولد الاختلاف في المواقع العملية. 

أما الدعوة السلفية فهي في الحقيقة تختلف عن هذه الجماعات بأنها تلتزم بما كان عليه السلف الصالح ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولا يرضى علماؤها ومنتسبوها أن يحشروا في أتون هذا الافتراق لأنهم يرون أن الخط الذي يمثلونه هو الخط الإسلامي الصحيح، وهو التزام ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وصحابته ـ رضوان الله عليهم ـ ولا يعني هذا بالطبع إخراج البقية من الإسلام، فهذا ليس بصحيح، ولا الحكم عليها بالانحراف المطلق، فهذا ليس بصحيح، وإنما نحن نقول بأن هذه الدعوات الموجودة في الساحة والمناهج الإصلاحية قد أخطأت في أنها ما التزمت المنهج الصحيح، والواجب اتباعه وهو منهج الصحابة ـ رضوان الله عليه ـ وإنما حاولت أن تجمع من هذه التيارات والأفكار الموجودة، وبالتالي ما استطاعت أن تجمع حتى الجماعة الواحدة، فنشأت فيما بينها خلافات وطروحات. 

س: الساحة الآن مليئة ومشوهة بالأفكار والأطروحات المختلفة ولم يسلم من ذلك أي فكر أو تيار حتى السلفية التي عرفت بأنها الكتاب والسنة، وقد طرحت مفاهيم مختلفة لها، فما هي السلفية؟ 

السلفية هي المنهج الحق لفهم الإسلام، وذلك لأنها ليس لها مؤسس، وإنما هي تنهج ما كان عليه النبي ﷺ وكل الجماعات والمذاهب تصل لشخص وإمام وتقف عنده إلا السلفية فإنها تصعد حتى تصل إلى جيل الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فالسلفية بإيجاز هي أخذ الدين كما فهمه أصحاب النبي ﷺ أي أتباع السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم. 

وذلك أن المناهج المطروحة لفهم الإسلام، إما منهج العقلانيين ويمثلهم تيار الاعتزال والأشاعرة وأهل الكلام وغيرهم، أو الباطنيين وهم الصوفية على اختلاف مذاهبهم ومللهم وكلا المنهجين لا يصلح لأن يمثل الإسلام التمثيل الصحيح، وإنما المنهج الصحيح هو منهج اتباع الرسل، وهو المنهج السلفي الذي له العصمة لأنه اتباع لسلف الأمة ـ رضوان الله عليهم. 

وعبر التاريخ قد انتسبت لهذا المنهج بعض الناس ممن ليسوا منه، فبعض من انتساب إلى الخوارج سواء قد ادعى بأنه يسير على طريقة السلف، أو على منهجهم، ولكن الواقع والأطروحات العلمية تكذب ذلك، وبعض الجماعات التكفيرية، أو جماعات الخروج أو الجماعات الثورية في عصرنا هذا أيضاً تدعي بأنها على طريقة السلف، وأنها سلفية، وهذا أيضاً ليس بصحيح، لأنها لا تلتزم بما كان عليه السلف ـ رضوان الله عليهم ـ وخاصة في مسألة الخروج على الولاة، وفي مسألة الإنكار العلني على الحكام، ومسألة تكفير المسلمين وفي مسألة عدم التزام فهم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فبالتالي هؤلاء وإن ادعوا بأنهم من السلفيين، ولكن السلفية الصحيحة التي عليها أصحاب النبي ﷺ والأئمة ـ رضوان الله عليهم ـ وعليها علماء الدعوة السلفية في هذا العصر المشايخ المعتبرين كل ذلك يشعرنا، بل نأخذ منه قطعاً بأن هؤلاء وإن انتسبوا زورا للدعوة السلفية، فإنهم ليسوا منها. 

كذلك هناك تيار أو اتجاه قد ألحق نفسه بالدعوة السلفية، ألا وهم الذين تساهلوا في أمر الدين حتى كادوا يوافقون الجماعات الأخرى، بل ينادون إلى تجميع كل الجماعات في جماعة واحدة، وتمييع الموقف من أهل الأهواء والبدع، وهؤلاء وإن أيضاً انتسبوا للسلفية، فإنهم ليسوا من السلفية في شيء، والسلفية ليست حزباً يستطيع الإنسان أن يدخل فيه من شاء، ويخرج فيه من شاء، ولست أنا وغيري من الناس هو الذي يقرر بأن هذا سلفي، أو ذاك ليس بسلفي، وإنما المنهج هو الذي يقرر، فالذي يدعي أنه متبع للسلف ـ رضوان الله عليهم ـ ويتحاكم إلى فقههم وإلى طريقتهم وإلى منهجهم، فهذا هو السلفي، والمنهج والفكر أيضاً يربط أيضاً بعلماء الدعوة، فإن العلماء الربانيين هم الذين يفسرون ما ثبت عن السلف ـ رضوان الله عليهم ـ ونحن قد أمرنا باتباع طريقة الصحابة وطريقة العلماء الربانيين. 

لذلك نحن نقول هذا الذي يوجد وينسب نفسه للسلفية هؤلاء ليسوا من أتباع السلفية الصحيحة، ولذلك السلفية لها رموز في هذا العصر وعلماء مشهورين مثل الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم من مشايخ العالم الإسلامي، وبالتالي فهؤلاء هم الذين يؤخذ من قولهم، ويقبل تفسيرهم، أما ما عدا ذلك من جماعات الخوارج أو من جماعات التجميع فهؤلاء ليسوا من السلفيين، وإن ادعوا السلفية. 

س: السلفية ضد التعصب والجمود فهل معنى ذلك أن السلفيين لا يأخذون بأقوال الأئمة الأربعة؟ 

السلفيون حقيقة هم الأتباع الحقيقيون للأئمة الأربعة ـ رضوان الله عليهم ـ وذلك لأنهم لا يفضلون أحداً منهم على أ حد، ولا يتعصبون لأحد منهم على أحد، وإنما يقولون هؤلاء كلهم أئمتنا، ونأخذ من أقوالهم، ولكن لا نتعصب لأحد، ولا نأخذ قول أحد يخالف به حديث النبي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ وقد نهونا عن التقليد فقال قائلهم: «لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي، ولكن خذ من حيث أخذوا»، فالأئمة قد نهونا عن التقليد، ونهونا عن التعصب لأقوالهم، وجعل أقوالهم حجة، وإنما أمرونا باتباع الدليل، وباتباع الكتاب والسنة، والقاعدة عنهم هو {وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهو}، فنحن نفرق بين تقديم قول الله سبحانه وتعالى وقول النبي ﷺ على غيره من الأقوال، ولا نتعصب لأحد، فإذا خالف قول الإمام وهم كلهم بشر يصيبون ويخطئون قول النبي ﷺ فلا شك أننا مأمورون باتباع قوله ﷺ لأن الله تبارك وتعالى قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو}، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع سنة النبي ﷺ فالسلفيون هم الوسط بين من أخذ بقول الإمام وهجر القول الآخر، وأما السلفيون يأخذون بأقوالهم جميعاً، ويحترمونهم جميعاً، ويوقرونهم جميعاً، ويأخذون بأقوالهم وأقوال غيرهم أيضاً من أئمة الإسلام والدين، وذلك لأنهم جميعاً علماء أجلاء يقتدي بهم، وأما من نسب إلى السلفية بأنها لا تأخذ بأقوال الأئمة، فهذا هو الكذب والجور والظلم. 

س: ما هو الفرق بين السلفيين وغيرهم من الجماعات المنتشرة في العالم الإسلامي؟ 

ذكرت سابقاً بأن السلفية منهج لفهم الإسلام، والطريقة الصحيحة التي يجب أن تسلك لفهم دين الله عز وجل وهي بإجمالها لا تخرج عن الكتاب والسنة، وطريقة السلف، ونحن نلزم الناس بأخذ طريقة السلف لأننا قد نختلف في فهم الكتاب والسنة، فإذن السلفيون على هذا المعنى يختلفون عن غيرهم من حيث التأسيس، فجميع الجماعات الموجودة الآن قد أسسها إنسان سواء الآن أو قديماً، بل حتى المذاهب مثل المعتزلة والأشاعرة وغيرها قد أسسها إمامها، وأما السلفية فهي امتداد تاريخي ضارب في القدم يرجع إلى عهد النبي ﷺ شعارهم {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو}، فالسلفية الفريق بينها وبين غيرها أن غيرها ناشيء، وهي امتداد للطائفة الناجية التي أخبر عنها النبي ﷺ. 

وهي أيضاً ترى وضوح الرؤيا في العقيدة والمنهج، فلا ترى الترقيع ولا يرى السلفيون أن يأخذ الإنسان ما شاء، وإنما نرى وجوب الإلتزام بسنة النبي ﷺ وما خالف ذلك فهو مردود، كما قال الرسول ﷺ: «من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، فكل عمل ليس عليه عمل النبي ـ ﷺ ـ فهو مردود على صاحبه كائناً من كان هذا الإنسان، فالسلفية إذن امتداد للطائفة الناجية، وهي التي تلتزم بما جاء عن النبي ﷺ عقيدة ومنهجاً وسلوكاً، وأما الجماعات فقد خلطت مناهج عقائدية ومذهبية وفكرية، فجمعت كل الخليط، ولذلك ترى في الجماعة الواحدة الرافضي والصوفي والأشعري والمعتزلي، وقد ترى من يزعم بأنه سلفي، فإذن الفرق الأول هو أن السلفيين خلص في عقيدة واحدة ومنهج واحد وطريقة واحدة، وإنما يتفاوتون في العمل، ولذلك لو طرحت مسألة مثلاً: هل يجوز الذبح لغير الله؟ في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي لكان الجواب واحداً، ولكن لو طرح هذا السؤال في أي جماعة أخرى من الجماعات، بل في البلد الواحد وفي الجماعة الواحدة، لوجدت إجابات مختلفة متباينة، وذلك لاختلاف المذاهب والمشارب التي يلتزمها المنتسبون لهذه الجماعات، لذلك فالجماعة السلفية إنما هي حقيقة جماعة واحدة من ناحية العقيدة، ومن ناحية الالتزام بمنهج السلف، وأما الجماعات الأخرى فقد خلطت الأمر الثاني أن السلفيين موقفهم من الانحراف الذي طرأ في فهم الدين واضح، فالسلفيون يرون بأن الإسلام قد دخله تحريف وتزوير ودخلته أحاديث ضعيفة ودخلته بدع، ولذلك فهم ينادون بالتصفية والتربية، ينادون بأن يصفى الدين من جميع الشوائب التي طرأت عليه، وأن يتربى الناس على هذا الإسلام المصفى، ولذلك هم يحاربون البدع ويحاربون الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولا يرضون أن يهادنوا أهل الأهواء والبدع وشعارهم بهذا شعار سلفهم ـ رضوان الله عليهم أجمعين. 

أما غيرهم من الجماعات فهم يرون أن هذا أمر جزئي، والمهم الآن نتعاون لمواجهة العلمانية أو للوصول إلى الحكم، ثم بعد ذلك نصفي هذه الأمور، لأنها أمور لاحقة، أما السلفيون فيرون أنها أمور أساسية، لأن الأصل هو التعبد لله سبحانه وتعالى وهذا لا يكون إلا باتباع النبي ﷺ. 

إذن السلفيون موقفهم من الانحراف الذي طرأ في فهم الدين واضح، فهم يقاومون جميع أنواع الانحراف، ويرون أن هذا جهاد كما قال إمامهم ابن تيمية ـ رحمه الله: «الراد على أهل البدع كالمجاهد في سبيل الله»، وكما قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كثير من كتبه، فكشف عوار هؤلاء ـ أي أهل الأهواء والبدع ـ إنما هو من الدين. 

النقطة الثالثة أن السلفيين وسط بين التيارات في قضية الموقف من الحكام، فبعض الناس يرى تمجيدهم وأنهم لا يخطئون مطلقاً، وبعض الناس لا يرى لهم معروفاً أبداً، وينادي بالخروج عليهم، وبحربهم والتشهير فيهم على المنابر، والسلفيون في هذا وسط بين هذه الطوائف، فهم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم لا يجيزون الإنكار على المنابر، ولا يجيزون الخروج، ولا يجيزون التشهير بحكام المسلمين، ويرون بأن ما من تجربة ـ كما قال ابن تيمية ـ من تجارب الخروج على الحكام إلا وكان الضرر فيها أكبر من المنفعة، ولذلك فهم يسعون جادين جاهدين إلى أن يربطوا الأمة مع بعضها البعض دون إثارة للبغضاء والفتن، وأنهم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر لازم مستمر، ولكن أن يكون أمرهم بالمعروف بالمعروف وأن يكون إنكارهم على المنكر من غير منكر. 

وأما الأمر الرابع: أن السلفيين يرون أن إصلاح الأمة لا يكون إلا بالرجوع إلى الإسلام الصحيح، وهذا لا يكون إلا بالعلم، فإنهم يرون أن العلم يجب أن يقدم على العمل على قاعدة قوله ـ سبحانه وتعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}، فأمر الله سبحانه هنا بالعلم ثم أعقبه بالعمل ألا وهو الاستغفار للذنب. 

لذلك نحن نرى أن الدعوات التي اتجهت لإصلاح الجانب السياسي، أو الجانب الاقتصادي ليس هو الطريق الأمثل لعودة الأمة إلى مجدها، وإنما الطريق الأمثل في عودة الأمة إلى مجدها هو الإصلاح في الجانب الديني العقائدي والتربية على هذا، فإذا تربى الناس على الإسلام، وعلموا من هو ربهم سبحانه وتعالى وأطاعوا الله عز وجل وتربوا على ذلك فإنهم إن شاء الله سيغيرون واقعهم ولو بعد حين. 

س: كيف يستطيع المسلم أن يوفق بين متطلبات الحياة، والالتزام بالدين؟ 

أولاً على المسلم أن يعلم بأن متطلبات الحياة هي الالتزام بالدين، فإن وجوده في هذه الدنيا إنما هو لعبادة الله سبحانه وتعالى فالله عز وجل هو الذي خلق وهو الذي أمر بالعبادة، فنحن وجدنا في هذه الحياة لنعبد الله سبحانه وتعالى وأما الكسب والتمتع بالحياة فهو نافلة، وإلا فالأصل هو أننا وجدنا لنعبد عز وجل ولذلك يجب علينا أن نعلم أن التدين والالتزام بالدين هو الذي يحقق لهم السعادة دنيا ويحقق لهم النجاة في الآخرة، كما قال ـ سبحانه وتعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}، فالأمن في الدنيا والهداية لهم لأنهم التزموا بدين الله تبارك وتعالى سبحانه وتعالى ولذلك نرى أن الذي يعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى له معيشة الضنك، وإن كان عنده مال، ولذلك فالكثير الآن من الشعوب الأوروبية شعوب غنية جداً، والفقر فيها قليل ومع هذا فهي شعوب مضطربة يكثر فيها الانتحار، وذلك مصداقاً لقوله سبحانه: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}. 

لذلك نقول أن متطلبات الحياة الحقيقية هي أن تعبد الله سبحانه وتعالى وأما المكسب والمعاش فإنما هو وسيلة وبلغة تقرب العبد إلى الآخرة، وإلا فالدنيا إنما هي مطية للآخرة. 

والذي حصل الآن في حال المسلمين أنهم قلبوا الأمور، وأصبحوا ينظرون إلى الدنيا على أساس أنها هي الأساس وأن الآخرة هي الفرع، وأصبحوا يعطون الآخرة بعض ما يعطون الدنيا، والصحيح كما كان عليه النبي ﷺ، حيث قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، فالمسلم في هذه الدنيا يعيش غربة ويعيش عابر سبيل لأنه سينتهي إلى جنة أو إلى نار أعاذنا الله منها، وتلك هي الحياة الحقيقية إما حياة نعيم ولا شقاء بعده، أو شقاء ولا نعيم بعده أعاذنا الله من ذلك. 

س: سؤالنا الأخير {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}، إذا أردت الإصلاح وعلاج المرض من أين نبدأ، وما هي وسيلتك لذلك؟ 

نبدأ بما أخبرنا به النبي ﷺ فقد بين أن هذه الأمة إذا تركت الدين واتجهت إلى الدنيا فإنها يسلط عليها الذل، وهذه الأمة إذا ركنت إلى الدنيا وتركت العمل للدين والجهاد في سبيل الله عز وجل وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى يسلط عليها الله سبحانه وتعالى الذل، فلابد من الرجوع إلى الدين والعقيدة وإلى التربية وإلى كل ما أمر الله به، لذلك نحن نرى بأن العلاج الصحيح لأمراض مجتمعاتنا هي البدء بالإنسان تعليماً وتثقيفاً وفهماً وتربية.