00965-55226399

مجلة «الفرقان»، العدد (134)، تاريخ 26/2/2001م.

إنه مما يُسر ويفرح وجود تلك الظاهرة التي أصبح المرء يشاهدها في بلاد الإسلام، وهي اتجاه الناس ـ خاصة الشباب منهم ـ نحو عبادة الله والتزام دينه، فهذه الظاهرة الصحية التي تفشت في مجتمعاتنا، فالشباب المثقف يقدم على دراسة دينه والدعوة إليه، مما يدخل إلى النفس البهجة.

ولما كانت الكتابات التي دونت حول الإسلام ـ عقيدة وشريعة ـ في العصور المظلمة اختلط فيها الحق والباطل، ودخلها خلط كثير، حيث إن موضوع إصلاح العقيدة وتنقيتها مما شيبت به أمر أكثر من ضروري؛ رأيت لزاماً عليَّ المبادرة إلى طرح قضايا الاعتقاد ومناقشتها، وأول هذه القضايا هو موضوع العبادة، فالعبادة تعني أقصى أنواع الخضوع والتذلل، ولا يستحقها بهذا الوصف سوى الله تبارك وتعالى.

ولقد شاع بين الكثير من أن العبادة هي الصلاة والصيام والحج، وساعد في هذا الفهم غير الصحيح ما يشاهد في كتب الفقه من أبواب العبادة، فظنوا أن العبادة حصر بهذا، والحق أن العبادة أشمل من ذلك كله، فهي غاية الوجود الإنساني، فلم يخلق الله الإنسان إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾، فلا تكتمل رسالة الإنسان على الأرض إلا إذا حقق العبودية التامة لله رب العالمين، فعلى هذا تكون العبادة أكبر، وتشمل الدين كله، بل الرسل كلهم ما جاؤوا إلا ليحققوا العبادة، ويحولوا الناس من عبادة بعضهم بعضاً إلى عبادة الله تعالى.

فرأس العبادة إذاً التوحيد، وهو إفراد الخالق وحده بأنواع العبادة كلها، وقد أدرك الكفار هذا المعنى لمهمة الرسل، فقالوا: ﴿أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ الآية.

وما العبادة إلا امتثال لما أمر الله، والعمل به بقلب راض راغب، فليس بعابد من فعل الطاعة وهو كاره لربه؛ لأنه أمره بذلك.

والعبادة تكون اعتقاداً في القلب وهو الأساس، فإن القلب إذا صلح صلح الباقي، ومضمون هذا الاعتقاد أن يوقن الإنسان بعظمة خالقه، وقدرته، فيقصد هذا الخالق بالدعاء والرغبة والرهبة والتوكل، ولا يكتمل هذا حتى يلفظ بلسانه وتظهر على جوارحه أعمال الإيمان، وإلا كان كاذباً في ادعائه. 

ومن العبادة:

  • فعل ما أمر الله به من صلاة وصيام وحج وأعمال الخير والطاعة جميعها.
  • النذر والذبح؛ فإنه لا يكون إلا لله، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذر وذبح لغير الله.
  • الدعاء، فإنه هو العبادة كما صح ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالعبادة تشمل إذاً أنواع القربات كلها إلى الله تعالى، وكذلك اجتناب النواهي.

واعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ من أولهم إلى آخرهم يرشدون العباد إلى عبادة الله وحده، ولذلك قال الكفار: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾ الآية؛ وكانت مقالة الأنبياء جميعاً: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ الآية، ولذلك وصف الله صفوة خلقه بالعبادة، وهو وصف ثناء ومدح، فقال الله تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يتحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾.

وجعل العبادة صفة ملائكته، فقال: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ الآية.

وقال الله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾.

ولقد كان أحسن وصفٍ وصفَ رب العزة به رسوله صلى الله عليه وسلم وصف العبودية: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾، وقال: ﴿وأنه لما قام عبدالله يدعوه كادو يكونون عليه لبدا﴾ الآية.

ولقد قرر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله في الحديث الصحيح: «لا تطروني ـ أي تمدحوني ـ كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».

والآيات في ذلك كثيرة، وكلها تدور حول وصف الصالحين بأنهم هم الذين حققوا العبودية التامة لله، ومن هنا فقد ذمَّ الله تعالى المستكبرين عن عبادته وتوعدهم: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ الآية.