00965-55226399

مجلة «الفرقان»، العدد (62)، تاريخ 1/6/1996م.

إن التناصح والردود العلمية تثري الحركة الإسلامية، ولا تفسد الأخوّة الإيمانية؛ ذلك أن النقد الذاتي للعاملي في مجال الدعوة الإسلامية أكثر من ضروري، خاصة في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الحركة الإسلامية، لذلك أرجو أن أوضح بعض الحقائق، فأقول:

أولاً: النقد ضرورة، وهو التناصح:

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة أهل الإيمان، كما قال تعالى واصفاً الطائفة الناجية بقوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.

ولا شك أن النصح من لوازم المحبة في الله، ومرد الأمر إلى أن الإنسان مهما بلغ في العلم منزلة؛ فإنه يبقى ذلك الإنسان الذي يتعلم ويناقش، ويَرُد ويُرَد عليه، كما قال الإمام مالك رحمه الله: «ما منا إلا ويرد عليه، إلا صاحب هذا القبر».

وعلى هذا جرت سنة أهل العلم والفضل، بل إن النقد والرد على المخالف من صفات أصحاب هذا المنهاج، وهو ألصق بهم من غيرهم، ولعل في النصوص الآتية ما يوضح هذه القضية ـ أعني الردود العلمية من صفات أهل السنة ـ:

  • فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
  • وعن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس، فترك رسول الله ﷺ رجلاً منهم وهو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: ما لك عن فلان؟ والله إن لأراه مؤمناً. فقال رسول الله ﷺ: «أو مسلماً». ذكر سعد ثلاثاً، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال: «إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكَبَّ في النار على وجهه»، رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
  • ورَدَّت عائشةُ قولَ أبي هريرة رضي الله عنهما: «تقطع المرأة صلاة الرجل». وقالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة»، رواه البخاري.
  • وقالت عائشة لابن عمر في عُمَرِ رسول الله ﷺ: إذ زعم أنه اعتمر أربع عمر. فقالت عائشة: هذا وهم منه على أنه قد شهد مع رسول الله ﷺ عمره كلها، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا ثلاثاً.
  • وأنكرت ميمونة على ابن عباس زواج رسول الله ﷺ منها وهو محرم.
  • وأنكر ابن عباس على علي أنه أحرق المرتدين بعد قتلهم، واحتج ابن مسعود بقوله ﷺ: «من بدل دينه فاضربوا عنقه»، فبلغ ذلك علياً، فأعجبه قوله.
  • رجع عمر عن رجم امرأة ولدت لستة أشهر إلى قول علي، وخلى عنها.

وإن النقد الذاتي خاصة من أبناء الجماعة الواحدة يقومها، ويصحح مسارها، ويزيل عن أفرادها صفة القدسية. وكلما كانت الحركة العلمية داخل الجماعة قوية؛ كان ذلك دليل صحة وقوة، ويدفعها ذلك للأمام والتقدم. وهذه الخاصية ميزت السلفيين، حيث نرى النقاش والردود العلمية، ومع هذا نراهم بعد الرد والنقاش إخوة متحابين.

ثانياً: السر والعلن في الرد:

الأخطاء التي تصدر من الإنسان إما أن تكون أخطاء خاصة وضعفاً في الجانب التعبدي لدى الإنسان أو أن يكون الخطأ ناتجاً عن اجتهاد، ويظنه صاحبه هو الصواب، فيعلنه متقرباً به لله سبحانه وتعالى.

فما كان من الصنف الأولى ـ أي الضعف الذي يعتري النفس البشرية ـ فالأولى في النصح فيه السر والكتمان وعدم ذكر ذلك.

وأما ما كان من الصنف الآخر وهو الاجتهادات العلمية والآراء التي يطرحها طالب العلم محتسباً بذلك مريداً إظهار حق بان له؛ فإنه ينظر إلى هذا المخالف من زاويتين:

الأولى: إن كان سنياً في أصله ووقع منه الخطأ.

الثاني: مبتدع جاهر ببدعته وأيدها ونصرها.

والجواب على ذلك يتضح بالآتي:

أولاً: إن الرد على المخالف وبيان خطئه سنة ماضية، درج عليها أهل الفضل من الصحابة، وتلقوها من المصطفى ﷺ، وشرعها لهم رب السماوات والأرض، وأدلة ذلك متضافرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ولهذا يتغير الدين بالتبديل تارة، وبالنسخ أخرى، وهذا الدين لا ينسخ أبداً، لكن يكون فيه من يدخل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق من الباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفاً عن الرسل، فينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فيحق الله الحق، ويبطل الباطل ولو كره المشركون» اهـ.

ومن استقرأ الوحيين رأى في مواقف الأنبياء مع أممهم والمصلحين مع أهليهم مواقف الحجاج والمجادلة، والرد على كل ضلالة ومخالفة، وهكذا وَرَثَتُهُم مِنْ بعدهم على تطاول القرون والأزمان.

وروى البخاري والترمذي وأحمد من حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً».

وروى الترمذي وحسنه من حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»().

وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله ﷺ: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمهم بعقاب منه».

وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة». قلنا لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، متفق عليه. 

ثانياً: إن كان هذا المخالف من النوع الأول الذي ذكرناه، وهو سني وقع في بدعة أو اجتهد فخالف السنة وأهلها؛ فإنه يرد عليه رداً علمياً، يبين فيه خطؤه ويُقَوَّم، ويرد عليه اجتهاده حتى لا يخدع به متبعوه.

وعلى هذا سار الأئمة وتبعهم بذلك الناس إلى يومنا هذا، يرد بعضهم على بعض، ويؤلف بعضهم كتباً يخطئ فيها أخاه، ويبين انحرافه عن الجادة، كل ذلك وفق القواعد الشرعية والأخوة الإيمانية.

ولو رغبت في سرد الردود بين أهل العلم والفضل بعضهم على بعض؛ لما استطعت لكثرتها وتنوعها، وهذا النوع مشهور بين الصحابة ومن بعدهم، وهذا النوع من الرد لا يفسد الأخوة الإيمانية؛ لأنه من كمال النصح وذروة المحبة في الله.

إلا أني رأيت في عصرنا هذا بعض من تنكبوا الصراط السلفي، وخاصة الأحداث منهم، وخالفوا منهج أهله؛ ذلكم أنهم إذا رأوا الخطأ من أخ لهم سلفي في العقيدة والمنهج؛ أغلظوا له القول، وأساؤوا الأدب، وحملوا الألفاظ ما لا تحتمل، وأساؤوا النية، ولا شك أن هذا ليس من أدب السلف.

والحمد لله.. عامة أهل العلم من السلفيين في هذا العصر هم كما ذكرنا فضلاً وخلقاً وأدباً، ففرق بين العالم والجاهل، ولا نظلم السلفيين فنحملهم ما قد يقع من سفيه انتسب لهم زوراً وبهتاناً، فاحفظ هذا فإنه لك نافع إن كنت من المتقين.

وأما إن كان المخالف من أهل البدع ـ أي النوع الثاني الذي ذكرنا ـ فهذا له شأن غير شأن السلفي المردود عليه، فهذا إن كان مبتدعاً مغموراً غير ذي شأن ولا ظهور، فالأولى إخماد بدعته بإماتة الرد عليه والسكوت عنه، ولأنه لو رد عليه لكبر وكبره الشيطان، لكن يرد على بدعته، وتسفه دون ذكره؛ حتى لا يعلو شأنه.

وهذه مسألة تختلف فيها الأنظار، وقد لا يوافقني فيما ذهبت إليه آخرون، فالأمر فيه سعة، مع اتفاقنا بضرورة الرد عليه وبيان زيفه وضلاله.

أما إن كان داعياً إماماً للضلال؛ فهذا والله هو الذي يمرغ أنفه في التراب، ويشد عليه، ويتنادى لحربه والتحذير منه، فإن السكوت على هؤلاء هو الذي أعلى شأنهم وأظهرهم، خاصة عندما سكت أهل الفضل عنهم، لذلك لا بد من حربهم وفضحهم على الملأ، والإنكار عليهم بجميع الوسائل، والسعي لإقصائهم عن الصدارة والفتيا، فإنهم والله للدين يفسدون، وللباطل يظهرون.

وأما الأدلة على ما قلت؛ فهي كثيرة، لكن هاك بعضاً منها:

  • رد علي بن أبي طالب على الخوارج حتى انصرفوا.
  • مناظرة عبد الله بن عباس المشهورة مع الخوارج.
  • مناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج كما ذكرها ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله».
  • رد العلماء الأكابر، أمثال: الإمام أحمد وابن المبارك وابن تيمية وابن خزيمة وابن مهدي وغيرهم على الجهمية وبيان كفرهم.
  • مناظرة عبد العزيز الكناني لبشر المريسي المشهورة.
  • محنة الإمام أحمد أمام المعتزلة وأمثالهم. وغير ذلك.

ثالثاً: التناصح بين الأصدقاء وأبناء المنهج الواحد:

وقد ذكرت أثناء الفقرة السابقة أن هذه مزية للجماعة أن تُنَمَّى فيها روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسودها الأخلاق الفاضلة، وأن من تمام الأخوة في الله والمحبة فيه أن تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.

وإني أجزم أن من أكبر مصائب الجماعات الإسلامية المعاصرة هو السكوت عن الأخطاء، بحجة وحدة الجماعة، وأن النقد قد يؤدي إلى زعزعة الثقة بالجماعة، وقد أشار إلى هذا المعنى كثير ممن كتب حول الجماعات الإسلامية.

أما من تتبع المسار السلفي ـ خاصة المعاصر منه ـ يشاهد كيف أن هذه الجماعة على اختلاف طبقاتها وأماكن تواجدها كيف أنها لا تحابي في الحق أحداً أبداً، بل إن صفة التناصح في الداخل؛ مصداقاً لحديث النبي ﷺ: «الدين النصيحة».

ولكن لعل قائلاً يقول: إن هذه الردود وإن كانت علمية أو ودية لماذا لا تكون بالسر، وكيف ننشر ـ كما يقال ـ غسيلنا للناس؟! وهاك الجواب حفظك الله:

رابعاً: إن هذا ليس من نشر الغسيل، بل من تمام الدين:

من يتتبع القرآن والسنة بعين البصيرة والفقه يجد أن النصوص تتظاهر في بيان الخطأ مهما بلغت منزلة المخطئ، حتى وإن كان الرسول الله ﷺ نفسه، فانظر مثلاً هذه الآيات: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى﴾، وأيضاً: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، وقوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾، وقوله تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾، فهذه النصوص وغيرها كثير يمكن أن يستفاد منها الآتي:

إن الفترة الزمنية التي نزلت بها كانت حرجة، والمشركون كانوا يبحثون عن أي ثغرة ليشيعوا الفاحشة، ويرقصون فرحاً كلما وجدوا ثغرة.

فهل سمعت من قال: إن هذا فضح للمتدينين، ونشر للغسيل؟ كلا والله، فهلا يسعنا ما وسعهم!!

إني أقول: إن هذا الأسلوب القرآن هو أسلوب التربية السليم الذي ربى فيه النبي ﷺ الصحابة، فكانوا خير جيل ظهر على الأرض، إن أسلوب التقويم يربي على الإخلاص والمراقبة، بل إن هذا هو تمام تحقيق الرقابة والشهادة التي شرفت بها هذه الأمة ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾.

وإن التربية القائمة على التناصح والرد العلمي والغيرة على الدين خير من التربية التي تدفع إلى النفاق والخديعة واجتماع وثناء في المحافل العامة، وهمز ولمز في اللقاءات الخاصة.

إن هذا الخلق اليهودي يجب أن يكون الدعاة أبعد الناس عنه، فهذا وصف أهل الفساد ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾، أما أهل الإيمان؛ فإنهم يشدون عليك، ولكن يدافعون عنك في غيبتك، فاحفظ هذا واتصف به تسلم ورب محمد.

خامساً: الأعداء يعرفون عنا أكثر منا:

لعل مدّعٍ للمثالية الكاذبة أن يرمي بفرية وشبهة ظاهرها الحرص على الوحدة، وباطنها ما الله به عليم؛ تلكم هي أن الردود بين أبناء الصحوة ـ كما يقال ـ تعطي العدو فرصة لجمع معلومات عن الاختلافات داخل الحركة الإسلامية، وبالتالي يستطيع التخطيط لضربها وإشغالها بنفسها.

وجوابنا على ذلك: أن هذه مقولة ساذجة وجهل بالواقع، وإلا فالدوائر الكافرة تعرف عن الحركة الإسلامية ومن داخلها أكثر مما يعرف كثير من الأفراد الذين بايعوا المجهول!! بل أكثر من أعضاء الشورى لتلك الجماعات.

وكل هذا قد سُطِّر ودُوّن في كتب للقوم ومقالات، بل إني أجزم أن هذا الخلاف العلني القائم على الأسس السليمة هو الذي يؤدي إلى تفويت الفرصة على الكفار لضرب الحركة الإسلامية بإشعال الصراع، والحق الذي لا مِرية فيه أن الأعداء ما يفرحهم أكثر من هذا الصراع الخفي بين الأجنحة المتصارعة. 

أما الخلاف العلمي والردود العلمية؛ فهذه تزعجهم؛ لأنها دليل صحوة ورقي حضاري، لا يريدون لأمتنا السير فيه، حيث إنه يوصلها إلى القمة والتقدم، وإنا لنحترم الردود العلمية، ونمقت الكذب والغش والخداع، فالمسلم ناصح لا فاضح، فاعقل هذا.

وبعد.. أرجو أن أكون قد وضحت هذه القضية، ألا وهي ضرورة التناصح؛ لتستمر المسيرة، والله أسأل التوفيق.