00965-55226399

مجلة «الفرقان»، العدد (132)، تاريخ 12/2/2001م.

وقد نشر من ضمن مقال (فهم الصحابة للدين) السابق، فجعلناه مقالاً مستقلاً من ضمن السلسلة.

الحمد لله فالق الإصباح، مرسل الرسل ليحيى من حيّ عن بيّنة، ويهلك عن بينة من هلك، فأرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ ليقيموا الحجة على العباد، ويرشدوهم لطريق الرشاد، وشرف الله هذه الأمة بحملة رسالة التبليغ، فكانت وراثة للأنبياء، ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم لربه وقد كملت الرسالة، وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وسار الصحب الأخيار ـ رضوان الله عليهم ـ حاملين الراية، ناشرين الخير والعدل بين الناس، ثم خلفت بعد ذلك خلوف تنكبوا الدرب، وحادوا عن الصراط، واختلط بهم الحق بالباطل، وسبب ذلك ابتعادهم عن فهم الدين على منهاج النبوة، ومن أجل ذلك ضلوا وزاغوا عن السلفية، واتبعوا ما يشابهها بعد أن لبس عليهم إبليس، فظنوا الورم شحماً.

والشباب اليوم في عالمنا الإسلامي تنازعه الزعامات الشخصية، والهالات البشرية، مما جعله يقع نهباً للأهواء، وفريسة لكل عذب اللسان فاسد المنهج.

فالعاصم من ذلك إذاً هو حماية ذهن الشباب بالعلم النافع، وربطه بالعلماء الأبرار، فإن الله سبحانه قد فضّل العلماء، وجمع أهل العلم في فضل العلماء كثيراً، وصنفوا فيه مصنفات خاصة، قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط﴾ الآية.

إن العبد المسلم إذا وُفِّق لطلب العلم والحصول عليه، فَفَقِه في دين الله؛ فقد تأهل للخير، وكان من أهله، وحسب العلم فضلاً وشرفاً أن يكون قائداً للخير وهادياً إليه.

ولما كانت هذه هي مزية العلم وأهله ومكانتهما؛ جعلهم الله صمام أمان للأمة، وأمر بسؤالهم والالتفاف حولهم؛ حتى تسلم الأمة من الانحراف في الفهم، إذ إن عامة الانحراف الذي وجد في الأمة سببه الفهم غير الصحيح، والتأويل الجائر، فكان أمر الله سبحانه لعباده أن يسألوا أهل الذكر ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

بل جعل سبحانه وتعالى طاعتهم لازمة وفق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وهم العلماء والأمراء، فإذا تقرر ذلك لدى العبد المسلم ووعاه قلبه؛ هداه ذلك إلى أمور، هي:

  1. أن الأخذ عن أهل العلم يقود للهداية ويعصم من الزلل؛ لأن الله أمر بالأخذ منهم وهم حملة الهدى والنور.
  2. أن في وقت الفتن واضطراب الأفهام تكون الحاجة ماسة لأن يُعطى أهل العلم والبصيرة زمام القيادة العلمية والثقافية للأمة، وذلك حماية لها من الانزلاق والاندفاع خلف الأهواء، ولا طريق ينجي من الفتن غير ذلك.

ولعلك تسأل: لماذا كل هذا الحقد على الإسلام من نصارى ويهود ومجوس؟ وما الذي جناه أهل الخير والحق إلا أنهم نشروا دين الله بين تلك الأمم؟

والجواب: أنهم أدركوا أن السلفية هي الفاضحة لهم، وأننا نرى بعضاً منهم يسعون لإيذاء أهل الحق.

إن الفطرة السليمة تقود إلى شكر من أرشد وهدى، ولكن الفطرة التي أفسدها شياطين الإنس؛ جعلت المرء يكفر ولا يشكر، وإن دهاقنة الضلال سعوا جادين ليطفئوا نور الله بأفواههم، ولكن الله مظهر دينه وإن رغمت أنوف، وبالرغم من جراح هذه الأمة، لكن الخير فيها كثير، والسائرون على درب الهداية كثر والحمد لله، ويحتاج شبان هذه الأمة في هذه المرحلة إلى تبصير عوار أهل الباطل وكشفه، وهذا هو دور العلماء.

إن هذه المرحلة بالذات توجب التكاتف بين حملة منهاج السلف لإنقاذ الأمة، وإنا نعتقد أن حاملي الدعوة إن لم يقفوا مع بعضهم البعض في هذه المرحلة الحرجة؛ كان ذلك خيانة للأمانة التي حملها الله إياهم.

إن التلاحم بين أهل العلم من حملة التوحيد يجب أن يكون قوياً، لا سيما في عصرنا هذا، حيث طمع فينا الكل، واستباح حمانا حتى عبدة البقر، ولا عز إلا باتفاقهما.

فاحرص ـ يا عبد الله ـ أن تسير وفق فهم سلف الأمة، وتلتزم مناهجهم؛ يسلم لك دينك ودنياك، ولا تتبع الهوى فيضلك عن الحق.